أبي حيان الأندلسي

19

البحر المحيط في التفسير

وما كان لنبي أن يغل ، وما يكون لنا أن نعود ، أن يقتل مؤمنا ابتداء غير قصاص إلا خطأ على وجه الخطأ . ( فإن قلت ) : بما انتصب خطأ ؟ ( قلت ) : بأنه مفعول له أي : ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطإ وحده ، ويجوز أن يكون حالا بمعنى : لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ ، وأن يكون صفة لمصدر أي : إلا قتلا خطأ . والمعنى : أنّ من شأن المؤمن أن تنتفي عنه وجوه قتل المؤمن ابتداء البتة ، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما ، أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم . وقال ابن عطية : قال جمهور أهل التفسير : ما كان في إذن اللّه ولا في أمره للمؤمن أن يقتل مؤمنا بوجه ، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول ، وهو الذي يكون فيه إلا بمعنى لكن ، والتقدير : ولكن الخطأ قد يقع ، ويتجه وجه آخر وهو أن تقدر كان بمعنى استقر ووجد . كأنه قال : وما وجد ولا تقرر ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانا ، فيجيء الاستثناء على هذا غير منقطع ، وتتضمن الآية على هذا إعظام العهد وبشاعة شأنه كما تقول : ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسيا إعظاما للعمد والقصد ، مع حظر الكلام به البتة . وقال الراغب : إن قيل : أيجوز أن يقتل المؤمن خطأ حتى يقال : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ قيل قولك يجوز أو لا يجوز ؟ إنما يقال في الأفعال الاختيارية المقصودة ، فأما الخطأ فلا يقال فيه ذلك ، وما كان لك أن تفعل كذا ، وما كنت لتفعل كذا متقاربان ، وهما لا يقالان بمعنى . وإن كان أكثر ما يقال الأول لما كان الإحجام عنه من قبل نفسه ، أي : ما كان المؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ ولهذا المعنى أراد من قال معناه : ما ينبغي للمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمدا ، لكن يقع ذلك منه خطأ . وكذا من قال : ليس في حكم اللّه أن يقتل المؤمن المؤمن إلا خطأ . وقال الأصم : معناه ليس القتل لمؤمن بمتروك أن يقتضي له ، إلا أن يكون قتله خطأ . وقال أبو عبد اللّه الرازي : وما كان أي : فيما آتاه اللّه ، أو عهد إليه ، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك ، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف . وقال أبو هاشم : تقدير الآية وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ويبقى مؤمنا ، إلا أن يقتله خطأ ، فيبقى حينئذ مؤمنا ، وهذا الذي قاله أبو هاشم قاله السدي . قال السدي : قتل المؤمن المؤمن يخرجه عن أن يكون مؤمنا ، إلا أن يكون خطأ ، وليس هذا معتقد أهل السنة والجماعة . وقيل : هو نفي جواز قتل المؤمن ، ومعناه : النهي ، وأفاد دخول كان أنه لم يزل حكم اللّه . وقال الماتريدي : الإشكال أن اللّه تعالى نهى المؤمن عن القتل مطلقا ،